عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

177

اللباب في علوم الكتاب

قال عليّ بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلّون لغير اللّه ، فلا تأكلوا ، وإذا لم تسمعوهم ، فكلوا ، فإنّ اللّه تبارك وتعالى ، قد أحلّ ذبائحهم ، وهو يعلم ما يقولون ؛ واحتجّ المخالف بقوله تبارك وتعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] وهذا عامّ ، وبقوله : « وما ذبح على النّصب » فدلّت هذه الآية الكريمة على أنّ المراد بقوله : « وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » هو المراد ب « ما ذبح على النّصب » ، ولأن النّصارى ، إذا سمّوا اللّه تعالى ، فإنّما يريدون به المسيح ، فإذا كانت إرادتهم لذلك ، لم تمنع حلّ ذبيحتهم ، مع أنّه يهلّ به لغير اللّه تعالى ، فكذلك ينبغي أن يكون حكمه ، إذ ظهر ما يضمره عند ذكر اللّه تعالى في إرادته المسيح . والجواب عن الأوّل : أن قوله تعالى : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] عامّ ، وقوله : « وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » خاصّ ، والخاصّ مقدّم على العامّ . وعن الثاني أن قوله تعالى : « وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ » لا يقتضي تخصيص قوله : « وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ » ؛ لأنهما آيتان متباينتان . وعن الثالث : إنّما كلّفنا بالظّاهر ، لا بالباطن ، فإذا ذبحه على اسم اللّه تعالى ، وجب أن يحلّ ، ولا سبيل لنا إلى الباطن . قوله : « فَمَنِ اضْطُرَّ » في « من » وجهان : أحدهما : أن تكون شرطية . والثاني : أن تكون موصولة بمعنى « الذي » . فعلى الأوّل : يكون « اضطرّ » في محلّ جزم بها ، وقوله : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » جواب الشرط ، والفاء فيه لازمة . وعلى الثاني : لا محلّ لقوله « اضطرّ » من الإعراب ، لوقوعه صلة ، ودخلت الفاء في الخبر ؛ تشبيها للموصول بالشّرط ، ومحلّ « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » الجزم على الأوّل ، والرفع على الثاني . والجمهور على « اضطرّ » بضمّ الطاء ، وهي أصلها ، وقرأ « 1 » أبو جعفر بكسرها ؛ لأنّ الأصل « اضطرر » بكسر الراء الأولى ، فلمّا أدغمت الراء في الرّاء ، نقلت حركتها إلى الطّاء بعد سلبها حركتها ، وقرأ « 2 » ابن محيصن : « اطّرّ » بإدغام الضّاد في الطّاء ، وقد تقدّم الكلام في المسألة هذه عند قوله : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ [ البقرة : 126 ] . وقرأ أبو عمرو « 3 » ، وعاصم ، وحمزة بكسر نون « من » على أصل التقاء الساكنين ، وضمّها الباقون ؛ اتباعا لضمّ الثالث .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 240 ، البحر المحيط 1 / 665 ، والدر المصون 1 / 442 . ( 2 ) ينظر المصادر السابقة . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 1 / 665 ، الدر المصون 1 / 443 .